ابن الجوزي

97

بستان الواعظين ورياض السامعين

بكيت على عظم الذنوب وغزرها * وما قلّ من يبكي لعظم سؤاله تفكّر في عظم السؤال وهوله * وتندب دهرا زاد قبح فعاله لعلّ إله العرش يرحم عبده * ويمنحه في الحشر طول وصاله ويغفر ما قد كان في طول جهله * ويسكنه بالعفو دار جلاله وإن نظر الربّ العظيم جلاله * فذاك جسيم من جزيل نواله يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] تجد واللّه كل نفس ما قدمت في الأيام ، من الطاعات والإجرام . ذلك يوم المصائب ، ويوم النوائب ، ويوم العجائب . يوم هتك الأستار ، يوم تسعر فيه النار ، يوم يفوز فيه الأبرار ، ويندم فيه الفجار ، وتعرض العباد على الواحد القهار . فالعجب كل العجب ممن قطع عمره في الأغفال ، وضيّع أيامه في المحال وأفنى شبابه في الضلال ، ولم يعمل بما في كتاب ذي المجد والجلال ، قال اللّه الكبير المتعال : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] يقول اللّه تعالى : يا ابن آدم تطلب موعظة ساعة وتقيم على الذنب سنة ؟ ! وأنشدوا : ما بال قلبك باللذات قد شغفا * وعن فوات صواب الفعل ما أسفا وقد توعّده الجبار خالقنا * وبالذنوب وبالعصيان قد كلفا [ 167 ] توبيخ اللّه تعالى للعباد ذكر في بعض الأخبار أن اللّه تبارك وتعالى يقول في بعض كتبه المنزلة على أنبيائه : يا عبدي ما الذي زهّدك فيّ ورغّبك في غيري ؟ عبدي أنا أتقرب إليك وتهرب عني وأطلبك وتفر مني ! عبدي بسطت لك غرور الدنيا فاشتغلت بها عني ، وآثرتها علي وزهدت في سعة رحمتي ! أهكذا يفعل المطيعون بأربابهم المحسنين إليهم ؟ عبدي من الذي سترك وكلاءك وحفظك ووقاك ؟ هل كانت لك شركة في نفسك معي ، أم هل كانت لك قوة بنفسك عليّ ؟ عبدي ما الذي قصرك عن عبادتي ؟ ما الذي زهّدك في طاعتي ؟ أين أنت من هادم اللذات ، أين أنت من نواح الآباء والأمهات ، أين أنت من المفرّق بين البنين والبنات ، أين أنت ممن لا يستأذن على أصحاب القصور ، ولا يستأمر أرباب الدور ، أين أنت من قاصم الجبارين الموكل بأرواح المخلوقين ؟ عبادي أليس قد اضمحلت آثار الماضين ، ودرست